الآخوند الخراساني

345

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

أحدها ( 1 ) : أنّه يُعلم إجمالا بصدور كثير ممّا بأيدينا من الأخبار من الأئمّة

--> ( 1 ) وهذا الوجه قرّبه الشيخ الأعظم الأنصاريّ بنحو يرد عليه إيرادت أربعة . وقرّبه المصنّف ( رحمه الله ) في المقام بنحو لا يرد عليه إلاّ الإيراد الرابع منها . وتوضيح الفرق بين التقريبين يتوقّف على ذكر ما أفاده الشيخ الأعظم أوّلاً ، وبيان ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) في المقام ثانياً . أمّا الشيخ الأعظم : فأفاد في تقرير الوجه : أنّا نعلم إجمالاً بصدور جملة من الأخبار الّتي بأيدينا عن المعصوم ( عليه السلام ) ، ولا سيّما بعد ملاحظة اهتمام الرواة في رواية الأحاديث وضبطها وتدوينها وجُهد العلماء في المحافظة عليها وإسقاط الضعاف منها . ومقتضى هذا العلم الإجماليّ لزوم الاحتياط والأخذ بجميع الأخبار الموجودة في الكتب ، وهو غير ممكن ، فلا بد من العمل بكلّ خبر مظنون الصدور ، لأنّه أقرب إلى الواقع من غيره . ثمّ أورد على هذا الوجه بإيرادات أربعة : الأوّل : أنّ هذا الدليل لا يفيد حجّيّة خصوص الخبر ، بل يفيد حجّيّة كلّ ما ظنّ منه بصدور الحكم عن الحجّة وإن لم يكن خبراً . وذلك لأنّ وجوب العمل بالأخبار الصادرة إنّما هو لأجل اشتمالها على الأحكام الواقعيّة الّتي يجب امتثالها ، فالعمل بالخبر الصادر من جهة كشفه عن حكم الله تعالى ، لا بما أنّه خبر . وعليه فالعلم الإجماليّ بصدور كثير من الأخبار يرجع إلى العلم الإجماليّ بوجود تكاليف واقعيّة في ضمن هذه الأخبار ، والعلم الإجماليّ بوجود التكاليف الواقعيّة لا يختصّ بالأخبار ، بل نعلم إجمالاً بوجودها في ضمن غيرها من الأمارات الظنّيّة أيضاً ، فنعلم بوجودها في ضمن الشهرات والإجماعات المنقولة . ومقتضى هذا العلم الإجماليّ هو العمل بكلّ ما يفيد الظنّ بالحكم الشرعيّ بعد تعذّر الاحتياط . وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به . ثمّ نفى دعوى انحلال العلم الإجماليّ الكبير - وهو ما كانت أطرافه الأمارات الظنّيّة - بالعلم الإجماليّ الصغير - وهو ما كانت أطرافه خصوص الأخبار - . وحاصل ما أفاده : أنّ العلم الإجماليّ الكبير لا ينحلّ بالصغير إلاّ إذا فرض عدم بقاء الكبير لو عزلنا من أطراف الصغير بمقدار المعلوم بالإجمال . وأمّا إذا فرض بقاء العلم الإجماليّ الكبير بين الباقي من أطراف الصغير وسائر أطراف الكبير لم ينحلّ الكبير بالصغير . وما نحن فيه من هذا القبيل ، ضرورة أنّه لو عزلنا من الأخبار طائفةً بمقدار المعلوم صدوره من الأخبار يبقى العلم الإجماليّ بوجود أحكام واقعيّة بين باقي الأخبار وسائر الأمارات الظنّيّة ، فلا ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير ، بالعلم الإجماليّ الصغير . الثاني : أنّ اللازم من الوجه المذكور هو لزوم العمل بكلّ خبر يحصل الظنّ بكون مضمونه حكم الله - ولو من الشهرة - ، سواء كان مظنون الصدور أو لا ، إذ عرفت أنّ العمل بالخبر الصادر إنّما هو باعتبار كون مضمونه حكم الله الّذي يجب العمل به . الثالث : أنّ مقتضى هذا الدليل لزوم العمل بالخبر المثبِت للتكليف ، لأنّا مكلّفون بامتثال الأحكام المعلومة إجمالاً . وأمّا الأخبار النافية للتكليف فلا يجب العمل بها . فهذا الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ المقصود من حجّيّة الخبر هو إثبات كونه دليلاً متّبعاً في قبال الأصول اللفظيّة والعمليّة ، سواء كان مثبِتاً للتكليف أو نافياً له . الرابع : ما أفاده بقوله : « وكذلك لا يثبت به حجّيّة الأخبار على وجه ينهض لصرف ظواهر الكتاب والسنّة القطعيّة . . . » . وحاصله : أنّ مقتضى هذا الوجه هو وجوب العمل بالأخبار احتياطاً ، لا حجّةً ، لأنّه مقتضى العلم الإجماليّ ، فلا ينهض لإثبات الحجّيّة للأخبار بنحو تصلح الأخبار لتخصيص ظواهر الكتاب أو السنّة القطعيّة أو تقييدها . والمقصود من حجّيّة الخبر كونه دليلاً مستقلاًّ متّبعاً في قبال الأصول اللفظيّة والعمليّة . هذا ملخّص ما أفاده الشيخ في تقريب هذا الوجه والإيراد عليه . فراجع فرائد الأصول 1 : 351 - 360 . وأمّا المصنّف ( رحمه الله ) : فقرّبه بنحو لا يرد عليه إلاّ الإيراد الأخير . وتوضيح ما أفاده : أنّ لنا علمين إجماليّين : الأوّل : العلم الإجماليّ الكبير ، وأطرافه جميع المشتَبهات وموارد الأخبار والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة . فنعلم إجمالاً بوجود تكاليف شرعيّة فيها ، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف ، ولا نحتمل مخالفة جميع الأمارات للواقع . الثاني : العلم الإجماليّ الصغير . وأطرافه خصوص موارد الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة ، فإنّا نعلم إجمالاً بصدور جملة من هذه الأخبار عن الأئمّة الأطهار ( عليهم السلام ) بمقدار واف بمعظم الفقه ، بحيث لو علم تفصيلاً ذاك المقدار يستكشف أنّ المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير لا يزيد عدداً على المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير ، فينحلّ العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف في موارد قيام الأمارات - وهو الكبير - بالعلم الإجماليّ بثبوتها في مضامين الأخبار الّتي علمنا إجمالاً بصدور كثير منها - وهو الصغير - . وحينئذ نعلم تفصيلاً بثبوت التكاليف في ما بأيدينا من الأخبار الصادرة الّتي علمنا إجمالاً بصدور كثير منها ، ونشكّ في ثبوتها في غير الأخبار ، فلا يجب الاحتياط إلاّ في أطراف العلم الإجماليّ الصغير . فيجب العمل على طبق الأخبار المثبتة للتكاليف الموجودة في الكتب المعتبرة ، ويجوز العمل على طبق النافية فيما إذا لم يكن في المسألة أصل مثبت للتكليف ، ولا يجب الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ الكبير من جميع المشتبَهات وموارد الأمارات المعتبرة وغير المعتبرة . وأمّا الفرق بين التقريبين : أنّ الشيخ قرّب الاستدلال بنحو ينتجّ لزوم العمل بكلّ خبر مظنون الصدور بلحاظ تطبيق مقدّمات الانسداد على الأخبار ; وأمّا المصنّف ( رحمه الله ) فقرّبه بنحو ينتجّ لزوم العمل بالأخبار المثبتة للتكليف . وأنّ الشيخ ذهب إلى عدم الانحلال في المقام ، والمصنّف ( رحمه الله ) ذهب إلى انحلال العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير . ومن هنا يظهر : أنّه لا يرد على هذا الاستدلال بالتقريب الّذي ذكره المصنّف ( رحمه الله ) إلاّ الإيراد الرابع . وأمّا الثلاثة الأوَل فلا يرد عليه . أمّا الإيراد الأوّل : فأجاب عنه بأنّ العلم الإجماليّ الكبير - وهو العلم بثبوت التكاليف في ضمن الأمارات الظنّيّة - قد انحلّ بالعلم الإجماليّ الصغير - وهو العلم بصدور جملة من الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة عن المعصوم ( عليه السلام ) - . ونتيجة ذلك وجوب العمل على طبق الأخبار المثبتة للتكليف الموجودة في الكتب المعتبرة ، لا العمل على طبق كلّ ما يفيد الظنّ بالحكم الشرعيّ كي يقال : « إنّ هذا الدليل لا يفيد حجّيّة خصوص الخبر » . وأمّا الإيراد الثاني : فيجاب عنه بما يجاب عن سابقه . وأمّا الإيراد الثالث : فأجاب عنه المصنّف ( رحمه الله ) بأنّ الغرض وجوب العمل على وفق الأخبار المثبتة وجواز العلم على طبق الروايات النافية فيما إذا لم يكن في موردها أصلٌ مثبت للتكليف ، لا وجوب العمل بالأخبار المثبتة فقط كي يقال : « أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى » . وأمّا الإيراد الرابع : فهو مشترك الورود على كلا التقريبين ، فإنّ الدليل - بكلا التقريبين - إنّما يثبت وجوب العمل بالأخبار احتياطاً ، لأنّه مقتضى العلم الإجماليّ . فلا ينهض على إثبات لزوم العمل بها من جهة إثبات حجّيّتها كي تصلح هذه الأخبار لتقييد المطلقات وتخصيص العمومات وغير ذلك . هذا توضيح ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) في الوجه الأوّل . وقد أطال الأعلام الثلاثة والعلمان السيّدان الكلام حول هذا الوجه بما لا يهمّ التعرّض إليه . وعلى الطالب المحقّق أن يرجع فرائد الأصول 3 : 196 - 211 ، نهاية الأفكار 3 : 132 - 143 ، نهاية الدراية 2 : 238 - 244 ، أنوار الهداية 1 : 317 - 324 ، مصباح الأصول 2 : 203 - 213 .